
ملاك قرقماس: إعادة الحياة إلى مدينة الموتى
دخلت لأول مرة إلى مدينة الموتى بعد ظهر يوم مشمس في ديسمبر 2021. كانت تلك المرة الأولى التي أسير فيها عبر هذه المقبرة التاريخية، وهي مدينة داخل المدينة، حيث يتقاسم الأحياء والأموات المساحة في مرونة هادئة. تلاشت إيقاعات القاهرة الفوضوية خلفي بينما كنت أتجول في هذا العالم الغامض من القباب والمقابر والأزقة الضيقة. لقد جئت للبحث عن بقايا الماضي، لكنني لم أكن أعلم أنني سأواجه شيئًا أقوى بكثير: نبض قلب حي في الأنقاض.
كانت وجهتي هي مجمع الأمير قرقماس، وهو جوهرة معمارية من القرن السادس عشر كنت أرغب في استكشافها منذ فترة طويلة. يعد المجمع من روائع الأمير قرقماس، أحد مماليك السلطان قايتباي الذي ارتقى فيما بعد إلى مرتبة الأمير الكبير المرموقة في عهد السلطان الغوري. كان المجمع أكثر من مجرد ضريح. لقد كانت مؤسسة حية. لم يتم تدريس مدرستها فقطي قرآنيج التلاوة والعلوم الدينية، ولكن أيضًا المهارات العملية اللازمة لإدارة الدولة، وهي ساحة تدريب للشباب الذين سيخدمون يومًا ما في المحاكم والمكاتب الحكومية. داخل جدرانه، كان الطلاب ينسخون المخطوطات، ويتعلمون الخط، ويناقشون اللاهوت تحت ظلال القباب الحجرية المنحوتة بشكل معقد.
اتبعت الحياة هناك إيقاعًا: المؤذن صدى الدعوة عبر الساحات عند الفجر، خلط الطلاب في إيوانات بألواحها الخشبية، تمتزج بدفء الخبز القادم من الأفران القريبة. وكان الحجاج والسكان المحليون يأتون للتبرك في الضريح، بينما كانت التجمعات الصوفية تملأ الأمسيات أحيانًا بالأناشيد الهادئة وتوهج مصابيح الزيت. المقبرة المحيطة، الهادئة والأبدية، ذكّرت كل من مر بالخط الرفيع بين التعلم والتفاني وحتمية الموت. التصميم المملوكي، على الرغم من الزمن والإهمال والفوضى المتزايدة في المدينة، جعلها في حالة خراب. ومع ذلك، فإن أناقتها كانت تهمس من خلال الانهيار
الواجهات والنقوش الباهتة.
ولكن عندما وصلت، كان المجمع مغلقا. أغلقت بوابة ثقيلة المدخل، ولم يكن هناك حارس في الأفق. ضغطت وجهي على القضبان الحديدية، بخيبة أمل. لقد تخيلت الوقوف تحت القبة، وتتبع الهندسة المنحوتة في الجدران، وأضيع نفسي في صدى التاريخ.
عندما استدرت للمغادرة، لاحظت امرأة تمشي بالقرب مني، وخطواتها بطيئة ولكنها هادفة. وبجانبها رقصت فتاة صغيرة، لا يتجاوز عمرها الخمس سنوات، وكانت ضحكتها تخترق الصمت مثل ضوء الشمس.
اقتربت منهم وسألتهم إذا كانوا يعرفون كيف يمكنني دخول المجمع. نظرت إلي المرأة، وقالت: “تعال”، وفتحت البوابة دون تردد. “مرحباً بك.”
في اللحظة التي خطوت فيها، أحسست بذلك الاندفاع من الرهبة الذي تحركه الأماكن القديمة في صدرك.
كانت اهتزازات التاريخ جسدية تقريبًا. كان المجمع عبارة عن عالم معماري كامل، تم بناؤه لخدمة كل من المقدس والحياة اليومية. كل حجر، وكل خط مزدهر، وكل قطعة من البلاط الملون تحكي قصة.
وبينما كنت أتجول، مذهولًا من الجمال والانحطاط المتشابك بشكل وثيق، أدركت الفتاة الصغيرة مرة أخرى. ملاك.
كانت تراقبني لفترة من الوقت وأنا أنتقل من غرفة إلى أخرى، وتلتقط بعناية صورًا للأعتاب المنحوتة والمداخل المقوسة. ثم، دون أن تنبس ببنت شفة، اقتربت مني، وأمسكت هاتفي، وبدأت في التقاط الصور بنفسها. ليس فقط للنصب التذكاري، بل لي أيضًا، وأنا أدرس الطريقة التي وقفت بها في الضوء، أو ركعت للإعجاب بالنقوش. لقد تفاجأت، لكنني ضحكت. كان هناك شيء مؤثر بشكل لا يصدق في ثقتها بنفسها، وبهجتها، ورغبتها البسيطة في اللعب مع شخص غريب.
جلست مع ولي أمرها في الفناء المضاء بنور الشمس بعد ذلك، وما زلت ممسكًا بالهاتف المليء بصور ملك. لم يكن وجه المرأة محددًا بالزمن فحسب، بل بالخبرة والصبر والحنان.
قالت لي بهدوء: “لقد تُركت في سلة المهملات”. “منذ خمس سنوات. وجدتها في مكان ليس ببعيد من هنا.”
شعرت بأنفاسي تلتقط.
“بحثت عن عائلتها. انتظرت. لم يأت أحد قط. لقد كبر أطفالي بالفعل. لم يكن من السهل البدء من جديد… لكنني نظرت إليها، وأخبرني شيء ما أنه يجب علي الاحتفاظ بها. لقد قمت بتربيتها هنا، في هذا المكان. إنها جزء من هذه الحجارة الآن.”
التفت لأنظر إلى ملك، التي كانت ترقص في شعاع من الضوء ينسكب عبر نافذة مكسورة. كان الغبار يطفو حولها مثل الذهب.
أنا فكرت: “إنها تشرق مثل الملاك وتعيد الحياة إلى مدينة الموتى.”

وجود ملاك غيّر كل شيء في رحلتي بين الأموات. ما بدا وكأنه نصب تذكاري للماضي أصبح فجأة حيًا، مشحونًا بالطاقة الجديدة. ملأ ضحكها الصمت الذي خلفته قرون وراءها. لقد جعلت الأطلال مرحة، حميمة، إنسانية. في تلك اللحظة، أدركت أنني جئت أبحث عن أثر لمصر في العصور الوسطى، ليس فقط عظمة سلاطين المماليك وقبابهم المهيبة، التي كثيرا ما نمجدها، ولكن أيضًا الاستمرارية الهادئة للجمال والإيمان والرعاية عبر القرون. ووجدتها، ليس في الخطوط الرسمية للمسجد أو في أسماء السلاطين المنحوتة، بل في يدي طفل حول الركام إلى ملعب.
يقول الناس أن مدينة الموتى هي مفارقة، مكان المقابر التي تؤوي الأحياء. لكنها بالنسبة لي مرآة للقاهرة نفسها: مليئة بالتناقضات، ومليئة بالروح. إنه مكان يتم فيه دمج البقاء في الهندسة المعمارية. وفي داخلها، كانت فتاة صغيرة اسمها ملاك، واسمها يعني ملاك، تتحرك في الساحات بخفة تبدو كأنها ترفع ثقل قرون. وفي حضورها، لم تعد حجارة المجمع تبدو وكأنها آثار باردة لحكام منسيين، بل أصبحت وكأنها حراس لقصة حية. ذكّرتني بأن التاريخ ليس شيئًا نزوره من الخارج، بل هو شيء يتنفس من خلالنا، وكأن كل واحد منا يحمل جناحًا صغيرًا من الذاكرة والمعنى.
أدركت أنني جئت أبحث عن الماضي الميت، لكنني وجدت الحاضر الحي.
هذه المشاركة هي الفائزة بالمركز الثالث في مسابقة “حكايات خالدة: مسابقة كتابة التراث الثقافي” لعام 2025 من “Egyptian Streets”، بالشراكة مع FairTrade Egypt وBibliothek Egypt. وقد تضمنت المشاركات روايات بضمير المتكلم عن التراث الثقافي المصري من خلال مصر القديمة والتقاليد القبطية والإسلامية واليهودية والتعبيرات الملموسة وغير الملموسة. وقد تم الاحتفال بالفائزين في مكتبة مصر في أكتوبر 2025، ومن المقرر نشر 13 قصة رئيسية.




