أخبار مصر

لماذا نخجل من اللهجة المصرية؟

نشرت منظمة عالمية متخصصة في إحصاءات اللغات وتوثيقها مؤخرًا فهرسًا يصنف اللغات الحية الأكثر انتشارًا في العالم.

ومن غير المستغرب أن احتلت اللغة العربية المركز الخامس بعدد ناطقين يبلغ 335 مليونًا، متخلفة عن الإنجليزية (1.49 مليار)، والصينية الماندارين (1.18 مليار)، والهندية (611 مليونًا)، والإسبانية (561 مليونًا).

لكن ما كان مفاجئًا حقًا هو أن المؤشر صنف اللغة العربية المصرية في المرتبة 15 عالميًا، حيث تضم 118 مليون متحدث.

وصنفت المنظمة اللهجة المصرية كلغة مستقلة إحصائيا بسبب بصمتها الديموغرافية الهائلة، مما يجعلها متقدمة على اللغات العالمية الكبرى مثل الإيطالية والتركية والكورية.

هذا التصنيف العالمي لا يعني أن اللغة العربية المصرية هي لغة رسمية في المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة.

وبدلاً من ذلك، فهي تشير إلى أن اللهجة تمتلك ثقلًا ثقافيًا وامتدادًا يمتد إلى ما هو أبعد من الحدود الجغرافية لمصر.

وفقًا للمعايير الدولية، أي لغة يتحدث بها أكثر من 100 مليون شخص مؤهلة تلقائيًا كلغة عالمية رئيسية.

إنني أدرك جيدًا المعركة التاريخية التي اندلعت منذ عقود مضت – والتي لا تزال تموجاتها محسوسة حتى اليوم – بين اللغة العربية الفصحى الحديثة (الفصحى) واللهجة العامية (العامية).

كما أنني أدرك أن بعض المثقفين والأكاديميين والشخصيات الدينية ينظرون إلى اللهجة المصرية بشعور من الازدراء، وغالبًا ما ينظرون إليها على أنها تهديد للغة العربية الفصحى أو اعتداء عليها.

في مجالنا الثقافي، يظل استخدام اللغة العربية الفصحى شرطًا أساسيًا للتحقق من جدارة أي مثقف أو روائي أو شاعر. وبالتالي، فإن أولئك الذين دافعوا تاريخياً عن الاستخدام المؤسسي للهجة المصرية، مثل المفكر البارز لويس عوض، اتُهموا في كثير من الأحيان بتقويض الهوية العربية.

ومع ذلك، فإن هذا التصنيف العالمي المرتفع الذي حققته اللهجة المصرية ناتج مباشرة عن انتشارها الواسع في جميع أنحاء العالم العربي، مدفوعًا بشكل كبير بالقوة الناعمة لمصر في السينما والدراما والأدب والإعلام.

لماذا إذن لا نستفيد من هذا الوضع لتعظيم رأس المال الثقافي والتكنولوجي والاقتصادي لمصر في عالم تغير تماما عما كان عليه في الثلاثينيات أو الستينيات؟

اليوم، تعد اللغة أحد الأصول الاقتصادية الرئيسية بالإضافة إلى كونها أداة للدبلوماسية الثقافية.

على سبيل المثال، تجني المملكة المتحدة ما يقرب من 2.5 مليار دولار سنويًا من تدريس اللغة الإنجليزية في جميع أنحاء العالم. ويمكن لمصر أن تنشئ صناعة محتوى حقيقية عالية الإنتاجية ــ على غرار الموجة الثقافية التي تقودها كوريا الجنوبية ــ من خلال التوسع في إنتاج المسلسلات والأفلام والبرامج المصممة لمنصات البث الإقليمية والعالمية، وخاصة في ضوء السوق الضخمة التي تضم 450 مليون عربي يتقبلون بالفعل اللهجة المصرية.

علاوة على ذلك، يجب على مصر دراسة النموذج البريطاني في نشر اللغة من خلال إنشاء مراكز ثقافية مصرية عالميًا. وعلى الصعيد التكنولوجي، هناك حاجة ملحة لتطوير خوارزميات بيانات متقدمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام اللهجة المصرية.

وهذا من شأنه أن يمنح شركات التكنولوجيا المحلية ميزة تنافسية متميزة في مشهد الذكاء الاصطناعي سريع التطور.

اللهجة المصرية ليست خصمًا للغة العربية الفصحى الحديثة ولا انتقاصًا منها؛ وستظل اللغة العربية الفصحى دائمًا محفوظة ومصونة بالقرآن الكريم.

إلا أن التطور اللغوي ظاهرة طبيعية، كما تدل على ذلك النماذج الأوروبية التاريخية.

في عالم تهيمن عليه التكنولوجيا بشكل متزايد، هناك أهمية كبيرة للتميز والاستثناء. اللهجة المصرية هي واحدة من أعظم الأصول الاستراتيجية لدينا. ولا ينبغي لنا أن نخجل منه ولا أن نحاربه؛ بل على العكس من ذلك، يجب علينا أن نعترف بها باعتبارها واحدة من أهم المساهمات التي قدمتها مصر وشعبها.

والأهم من ذلك، علينا أن نستفيد من حقيقة أن هذا الإبداع المصري قد تم احتضانه وحبه على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم العربي. وفي وقت حيث تواجه عناصر قوتنا الناعمة التقليدية تحديات، فلماذا يتعين علينا أن نستمر في الشعور بعقدة الذنب تجاه ألسنتنا؟

السيرة الذاتية للمؤلف

عبد الله عبد السلام هو مدير التحرير بجريدة الأهرام حيث يكتب عمودا يوميا بعنوان “أفق جديد”.

حصل على بكالوريوس الصحافة من كلية الإعلام جامعة القاهرة (1987).

بدأ مسيرته الصحفية في جريدة الوفد، ثم انتقل إلى وكالة أنباء الشرق الأوسط قبل أن يستقر في جريدة الأهرام في يونيو 1991. أسس بوابة الأهرام الإلكترونية وشغل منصب رئيس تحريرها من 2010 إلى 2013.

وفي عام 2013، كان رئيس التحرير التنفيذي لموقع المصري اليوم.

كما عمل سلام مديراً لتحرير بوابة العين (الإمارات العربية المتحدة) عام 2016، ومدير تحرير الموقع الإلكتروني لصحيفة “الوطن” (المصرية) عام 2017.

طاهر العربى

طاهر العربي صحفي ومحرر محترف، حاصل على شهادة في الإعلام من جامعة مرموقة، يمتلك خبرة واسعة في تغطية الأخبار وتحليل القضايا الراهنة، ويعمل على تقديم محتوى دقيق وموثوق يلبي معايير الصحافة الحديثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *