أخبار مصر

الشاي بالحليب وشعر الحياة المصرية العادية

سلام. وهي الكلمة الأخيرة التي يستخدمها الشاعر المصري صلاح جاهين في قصيدته، الشاي بلبن (شاي بالحليب(1955) والذي نشر في ديوانه الشعري الأول كلمات سلام (كلمة سلام، 1955).

أثناء الجلوس على مائدة الإفطار في ساعات الصباح اللطيفة، تصف القصيدة مشهد عاشقين يتأملان في طقوس بطيئة تتمثل في شرب الشاي مع الحليب معًا. يشعرون ويشربون شعور السلام؛ الشعور بأخذ زفير عميق بعد احتساء مشروبك المفضل والشعور أخيرًا، ولو للحظة قصيرة عابرة، بأن هذا ربما هو السلام. ربما هذا هو السلام الآن، حتى لو لم يظل سلمياً لفترة طويلة.

ولد جاهين في شبرا بالقاهرة عام 1930، وشهد التطورات السياسية والاضطرابات التي أدت إلى ثورة 1952 واستقلال مصر، وقد اتسمت حياة جاهين بالاضطرابات، ولم يكن السلام أبدًا كلمة يمكن كتابتها ببساطة على صفحة بسهولة أو بإهمال.

إن كتابة كلمة “سلام” في قصيدة قد تبدو بسيطة للغاية بالنسبة لواقع لم يكن كذلك.

ومع ذلك، بالنسبة لجاهين، كان هناك ما هو أكثر للسلام من مجرد غياب الحرب أو عدم الاستقرار. كان هناك ما هو أكثر من مجرد حلم بعيد المنال أو مثال مستحيل، لا يمكن تحقيقه إلا في عالم يكون فيه كل شيء كما ينبغي أن يكون.

وبكلمات جاهين، هناك نوع من السلام الذي ينبض بالحياة ويبدأ بالتنفس عندما يلتقي إنسانان وقلبان بالحب والرحمة. في القصيدة، يولد السلام ويولد من جديد من خلال لحظات الوداعة الصغيرة التي يقدمها شخص ما لآخر بسخاء.

وحتى لو تلاشت تلك اللحظات، فإنها لديها القدرة على أن تولد من جديد، وتعود كلما وجد الحب طريقه مرة أخرى إلى قلب الشخص.

الحب هو السلام. الرحمة هي السلام. اللطف هو السلام. كل من هذه الصفات، بمفردها، لديها القدرة على خلق لحظات صغيرة وبسيطة من السلام. قد لا تكون كافية لتهدئة فوضى العالم من حولنا، لكنها لا تزال قادرة على تشكيل عالم داخلي حيث يوجد السلام، مثل العالم الهادئ المشترك بين عاشقين.

العالم الداخلي المشترك بين العاشقين، حيث يشربان الشاي مع الحليب في انسجام وانسجام، هو نفس العالم الموجود داخل جدران غرفة نومهما. ليس من الضروري أن يمارسوا الحب لإثبات أنهم في الحب. وبدلاً من ذلك، فإن وجودهما معًا، وفي الطريقة التي يتحركان بها خلال لحظات الحياة اليومية العادية، يكشف الحب عن نفسه.

إن شرب الشاي مع الحليب معًا يصبح فعل حب في حد ذاته، وفي داخل هذا الحب يجدون إحساسًا بالسلام الخالص.

كما قال الشاعر المصري أحمد حجازي يلاحظ وفي مقالته عن شعر جاهين “لا يتحدث الشاعر هنا عن شخصين يتناولان وجبة الإفطار فحسب… بل يتحدث عن عالم أصبح فيه العروس والعريس إنساناً واحداً”.

إن العالم الذي يصبح فيه العروس والعريس واحدًا هو، في نهاية المطاف، عالم يمكن تلخيصه في كلمة واحدة: السلام. كما حجازي يكتب“تصير كلمة واحدة، كما بدأت، كلمة سلام.”

يكمن التأثير العاطفي للقصيدة في ما لم يُقال وليس فيما يُقال. إنه موجود في الأفعال نفسها وليس في أي إعلان، تمامًا كما لا يتم اختبار الحب والسلام من خلال الكلمات، بل من خلال الأفعال التي تعطيها معنى.

ويمكن الشعور به من خلال مائدة الإفطار والشاي بالحليب وأثاث الزواج وخاتمي الزواج. كل كائن موجود في حد ذاته، إلا أنهما معًا يخلقان صورة بصرية وحسية للعاشقين.

يتجنب جاهين تمامًا المفردات المزخرفة أو الاستعارات المتقنة. تبدو القصيدة وكأنها قائمة من الملاحظات تقريبًا، لكن هذه الملاحظات البسيطة والحركات الصغيرة تتراكم تدريجيًا، مما يؤدي إلى بناء المشاعر واحدة تلو الأخرى. والذروة في النهاية هي كلمة واحدة: السلام.

الآراء والأفكار الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف. لتقديم مقال رأي، يرجى إرسال بريد إلكتروني [email protected].

طاهر العربى

طاهر العربي صحفي ومحرر محترف، حاصل على شهادة في الإعلام من جامعة مرموقة، يمتلك خبرة واسعة في تغطية الأخبار وتحليل القضايا الراهنة، ويعمل على تقديم محتوى دقيق وموثوق يلبي معايير الصحافة الحديثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *