
الصور : المتحف الأثري الوطني بأثينا – خزانة الحضارة اليونانية
في شارع هادئ في قلب العاصمة اليونانية، يقف مبنى كلاسيكي ضخم ذو لون رملي، ترتكز عليه أعمدة أنيقة كما لو أنه ممزق مباشرة من الحضارة اليونانية القديمة.
هذا هو المتحف الأثري الوطني في أثينا، وهو أكبر متحف أثري في البلاد وأحد أهم المؤسسات في العالم المخصصة للحفاظ على تراث اليونان القديمة.
عند عبور عتبة المتحف، يشعر المرء حقًا كما لو أنه دخل عصرًا آخر. يتلاشى صخب العاصمة الحديث، ويحل محله صمت التماثيل الرخامية وبريق الذهب القديم.
داخل هذه القاعات الفسيحة، أنت لا تحدق فقط في القطع الأثرية؛ أنت تشهد قصة حضارة بأكملها بدأت منذ آلاف السنين.
وباعتباره الموقع الأثري الأول في اليونان، فهو يضم أكثر من 11000 قطعة أثرية عبر مساحة معرض تبلغ مساحتها حوالي 8000 متر مربع، ويرحب بمئات الآلاف من الزوار سنويًا الذين يسافرون من جميع أنحاء العالم لرؤية كنوز العالم الهيليني.
رحلة عبر الزمن
ومع ذلك، فإن الأرقام هي مجرد مقدمة للقصة.
تأخذك التجول في المتحف في رحلة طويلة عبر الزمن، تبدأ من فجر الحضارة وتنتهي في قمة الفن والعلوم اليونانية القديمة. تبدأ هذه الرحلة في قاعات آثار ما قبل التاريخ التي تضم كنوز الحضارة الميسينية التي ازدهرت منذ أكثر من 3000 عام.
وخلف علبة زجاجية يضيء قناع أجاممنون، القطعة الأكثر شهرة في المتحف.

اكتشفه عالم الآثار الألماني هاينريش شليمان في القرن التاسع عشر داخل قبر ملكي، ويعتقد شليمان أنه عثر على وجه الزعيم الأسطوري لحرب طروادة. وبينما يشكك العلماء المعاصرون في هذه الرواية المحددة، لا يزال القناع يحمل هالة فريدة من نوعها.
ويكشف بريق الذهب، حتى بعد آلاف السنين، عن حضارة فهمت القوة والثروة والطقوس الملكية. وبجانبه توجد أكواب ذهبية، وخناجر مزخرفة، ومجوهرات مصنوعة بدقة – وهي شهادات على عالم قديم عاش عند تقاطع الأسطورة والتاريخ.

من الحجر الصلب إلى الأعاجيب العلمية: تطور الفن والعلوم
بالانتقال إلى معارض النحت، يتغير المشهد بالكامل. وتصطف العشرات من التماثيل الرخامية في الممرات الطويلة، وتقف كجمهور صامت يراقب مرور الزوار.
تبدأ الرحلة بتماثيل كوروس، وهي تماثيل صلبة منتصبة لشباب يعود تاريخها إلى القرن السادس قبل الميلاد. تحمل وجوههم ابتسامة غامضة، وتبدو أجسادهم مبسطة الشكل.
بالتقدم عبر القاعات، يتكشف التحول التدريجي.

تصبح التفاصيل أدق، والحركة تصبح أكثر واقعية، وتتقدم نحو الروائع الكلاسيكية التي تبدو وكأنها بشر حقيقيين تحولوا فجأة إلى حجر.
هنا، يمكن رؤية تطور النحت اليوناني بالعين المجردة، بدءًا من البدايات المتواضعة وحتى الكمال الفني الذي ألهم الفن الأوروبي بأكمله فيما بعد.

أول كمبيوتر في العالم
في إحدى القاعات، يوجد جهاز صغير خلف زجاج سميك، ولكنه ربما يكون الشيء الأكثر إثارة للدهشة في المتحف بأكمله: آلية أنتيكيثيرا.
اكتشف عام 1901 ضمن حطام سفينة في بحر إيجه، ويعتقد العلماء أنه تم استخدامه لحساب حركات الشمس والقمر والكواكب، والتنبؤ بالكسوف.
ومع نظامه المعقد من التروس البرونزية، يعتبره الباحثون أقدم كمبيوتر فلكي معروف في التاريخ.
إن وجودها بمثابة تذكير بأن الحضارة اليونانية لم تكن مكرسة للفن والفلسفة فحسب، بل كانت أيضًا رائدة في مجال العلوم والاكتشاف.
الآلهة والأساطير
وفي نهاية أحد الأروقة يقف تمثال برونزي ضخم لإله بذراعين ممدودتين. ويعتقد بعض الباحثين أنه يمثل زيوس، ملك الآلهة، بينما يرى آخرون أنه بوسيدون، إله البحر.
وبغض النظر عن هويته، فإن التمثال يمثل إحدى أروع اللحظات في صب البرونز اليوناني.

إرث لا يتلاشى أبدًا
واليوم، يستقبل المتحف الأثري الوطني في أثينا أكثر من نصف مليون زائر سنويًا، بينما تظل آلاف القطع الأثرية الأخرى محفوظة في مخازنه ومختبراته. على الرغم من أن أثينا مليئة بالمواقع المفتوحة – من الأكروبوليس إلى المعابد القديمة – إلا أن هذا المتحف يظل المكان الوحيد الذي يمكن للمرء فيه رؤية الصورة الكاملة للحضارة اليونانية.
كما يضم قاعتين للآثار المصرية، تستحقان مقالًا تفصيليًا خاصًا بهما.

عند الخروج، تعود أصوات المدينة الحديثة، لكن هناك شيئًا ما عالقًا في الذاكرة: وجوه رخامية صامتة، وذهب من عصر الأساطير، وجهاز صغير سابق لعصره بألفي عام.

في المتحف الوطني في أثينا، يبدو الأمر كما لو أن التاريخ لم يغادره أبدًا.



