أخبار مصر

لقاءاتي مع الجالية اليهودية

لقد نشأت في “الحي اليهودي” بالإسكندرية. في ضوء ذلك، لا أحب عمومًا استخدام كلمة “يهودي” لتعريف شخص ما بشكل كامل: في نظري، هذا شكل من أشكال الاختزال الطائفي الذي يسطح التعقيد المتأصل في الفرد.

أنا أستخدم المصطلح هنا فقط حتى يفهم القارئ السياق.

أول لقاء لي وجهًا لوجه مع شخص يهودي كان قبل حوالي عشر سنوات في نيويورك. في بهو الفندق، جلست بالقرب من مجموعة من السياح الإسرائيليين: أب يتحدث مع ابنه، وامرأة تقرأ، ورجل متدين يرتدي الزي التقليدي. لم نتفاعل، لكنني شعرت بشيء يتغير بداخلي – كان هذا اللقاء الهادئ هو الذي أكد لي أن العالم أكثر تعقيدًا بكثير مما يمكننا تخيله.

وبعد سنوات، في نيوجيرسي، كان جارتي محاميًا يهوديًا. تبادلنا أحاديث قصيرة في المصعد مرة أو مرتين. لم يكن هناك توتر أو معنى خفي. مجرد إنسان يتحدث إلى آخر.

أغرب لقاء لي كان على متن رحلة إلى فرانكفورت. قرر حوالي ثمانية عشر يهوديًا حريديمًا، يمكن التعرف عليهم من خلال ملابسهم السوداء وجوانبهم المميزة، الصلاة معًا كمجموعة على متن الطائرة. كانوا يتنقلون مستخدمين الجدار الخلفي بالقرب من المطبخ لأداء طقوسهم. كان المشهد مزعجًا وأثار استياء العديد من الركاب، ليس بسبب الصلاة نفسها، ولكن لأن اختيارهم للمكان كان غير مناسب على الإطلاق.

ومن ناحية أخرى، فإن تجربتي الأكثر أهمية كانت في واشنطن العاصمة، عندما نظمت لي جامعة ولاية أريزونا ندوة داخل الكونجرس الأمريكي. خلال تلك الزيارة، واجهت وجهات نظر حول الصراع العربي الإسرائيلي تقدمية لدرجة أنها تجاوزت في كثير من الأحيان تلك التي أسمعها من بعض العرب.

وفي ألمانيا، أشارك حاليًا في تعاون بحثي مع جامعات ومراكز في برلين، وقد دُعيت مؤخرًا إلى بوسطن لتقديم ورقة بحثية في أكبر تجمع على مستوى العالم لجمعية العلوم السياسية الأمريكية.

في هذه المجالات الأكاديمية، يصبح التعامل مع “الآخر” أمرًا طبيعيًا؛ أنت تتفاعل حتما مع الآخرين! وهذا يقودنا إلى سؤال جوهري: كيف يمكن لمؤسساتهم أن تقارن بمؤسساتنا؟ أين إجاباتنا على الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالثقافة والإبداع والبحث العلمي والحرية الأكاديمية؟

الصراع في جوهره هو صراع محتوى وسرد، وهي معركة يربحها كل من ينجح في رواية قصته الخاصة بشروطه الخاصة.

لسوء الحظ، هذا ليس مجالًا نتفوق فيه حاليًا.

انضممت مؤخرًا إلى زمالة دولية مخصصة للحفاظ على التراث. ومن بين الجهات الراعية لها اللجنة اليهودية الأمريكية، وهي منظمة تعمل على تعزيز التعاون بين الثقافات وإغلاق الانقسامات المجتمعية. في جوهره، يمثل هذا التكرار “الناعم والمهذب” لـ “التطبيع” – وهو مفهوم لا يبدأ بالسياسة، بل باللغة.

وهذا يقودنا إلى النقطة الأهم: المسألة لا تكمن في التفاعل أو التواصل، بل في الإطار الذي تحدث فيه. إن تصرفات الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تترك فراغاً أخلاقياً للحديث عن تقارب سهل أو سطحي. هذه حقيقة لا يمكن إنكارها.

وعلى العكس من ذلك، يقع البعض في فخين متساويين في الخطورة.

الأول، الاندفاع نحو التطبيع وكأنه قدر لا مفر منه، باستخدام خطاب ذليل يوحي بأن “المعركة انتهت” وأن إسرائيل ضمنت التفوق المطلق. هذه مبالغة فادحة.

في الواقع، قبل بضعة أشهر، أثناء حضوري برنامج تبادل ثقافي كضيف على الحكومة الألمانية، أذهلتني الطريقة التي تبنى بها بعض العرب هذه العقلية الانهزامية.

الفخ الثاني هو العزلة التامة، واتخاذ موقف الكراهية المطلقة ورفض كافة أشكال التفاعل، حتى الأكاديمي منها والإنساني. وهذا التبسيط المفرط الضار لا يوجه سياستنا ولا يبني مستقبلنا.

الواقع الجيوسياسي واضح: هناك دولة قائمة على حدودنا. لا يمكن إنكاره، ولا التعامل معه من خلال التوهم بأنه سينمحي يوماً ما.

وفي الوقت نفسه، لا يمكننا أن نقبل أي شكل من أشكال «التعايش المجاني» الذي يتجاهل العدالة أو يعفي الطرف الآخر من إعادة تقييم سياساته.

وفي تقديري فإن المعادلة العقلانية لابد أن تقوم على ثلاث ركائز: التكافؤ المطلق، والوعي الواضح بالواقع، وربط أي تقارب بتغيير حقيقي في السلوك.

على سبيل المثال، تمت دعوتي سابقًا للمشاركة مع بعض المفكرين من الجانب الآخر في جلسة غير رسمية وغير رسمية، لكنني رفضت. ولم يكن ذلك بسبب النفور المتأصل من الحوار في حد ذاته، بل لأن مثل هذه المشاركة ــ إذا حدثت ــ يجب أن تكون شفافة وعلنية، ويحكمها إطار يضمن التكافؤ والوضوح الاستراتيجيين.

ولا ينبغي أن يتم ذلك في “المناطق الرمادية” التي لا تدعو إلا إلى الغموض.

إن التجربة الشخصية تنبئنا بحقيقة بسيطة: وهي أن السياسة لا تبنى على انطباعات فردية، تماماً كما لا تعمل الكراهية الجماعية على تعزيز أي فهم. وفي الفجوة بين هذين النقيضين، فإن تلك الدول التي تفتقر إلى الشجاعة للتفكير بنفسها سوف تذوي.

والأهم من ذلك أن المنطقة الفاصلة بين التجربة الشخصية والواقع لابد أن تبحر بعقل هادئ ــ بدلاً من العاطفة المحمومة.

سيرة المؤلف

رامي جلال كاتب وأكاديمي مصري متخصص في الإدارة العامة والسياسة الثقافية. تركز أبحاثه على الدبلوماسية الثقافية، والاقتصاد الإبداعي، والإصلاح المؤسسي في القطاع الثقافي في مصر.

تم تعيينه مستشارًا ومتحدثًا باسم وزارة التخطيط المصرية. كما شغل منصب عضو مجلس الشيوخ والمتحدث الرسمي باسم ائتلاف المعارضة المصرية.

وهو مؤلف كتابين، “رأيت العالم من كلا الجانبين” و”مستقبل الثقافة المصرية”، حيث يستكشفان الحكم والهوية ودور الثقافة في تشكيل الحياة العامة.

حصل جلال على درجة الدكتوراه من جامعة الإسكندرية، ودرجة الماجستير من جامعة شرق لندن، ودبلوم من جامعة تشيلي.

أكمل برامج الحكم المتقدمة في مدرسة هيرتي في برلين، وكلية كينغز كوليدج لندن، وجامعة ولاية أريزونا.

طاهر العربى

طاهر العربي صحفي ومحرر محترف، حاصل على شهادة في الإعلام من جامعة مرموقة، يمتلك خبرة واسعة في تغطية الأخبار وتحليل القضايا الراهنة، ويعمل على تقديم محتوى دقيق وموثوق يلبي معايير الصحافة الحديثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *