
قناة السويس البديلة: كيف تدعم مصر الاتصالات العالمية الجماهيرية
مما لا شك فيه أن قناة السويس هي واحدة من أهم الممرات البحرية في العالم.
ويمر حوالي 30% من إجمالي تجارة الحاويات العالمية عبر القناة، بينما تمر كل عام ما قيمته أكثر من تريليون دولار من البضائع عبر الممر المائي الضيق الذي يربط آسيا وأوروبا.
بالنسبة لمصر، توفر القناة مصدرًا حيويًا للعملة الأجنبية. وفقًا لهيئة قناة السويس (SCA)، حقق الممر المائي إيرادات بقيمة 40 مليار دولار أمريكي في الفترة من 2019 إلى 2024.
بالنسبة للسنة المالية 2025/2026، أعلنت هيئة الأوراق المالية والسلع مؤخرًا أن الإيرادات زادت بنسبة 23 بالمائة مقارنة بالعام السابق، على الرغم من الاضطراب الإقليمي الكبير.
ومع ذلك، فإن قناة السويس ليست مجرد ممر بحري. وهي أيضًا نقطة اتصال حيوية للاتصالات الدولية، حيث تربط قارات متعددة عبر طريق سريع مزدحم بكابلات الاتصالات تحت البحر.
وهذه الكابلات هي التي توفر لمصر فرصة لا تقدر بثمن لتعزيز الاتصالات العالمية وفي نفس الوقت توسيع اقتصادها. تربط هذه الشبكة من الكابلات البحرية، المدفونة تحت محيطات العالم، كل القارات باستثناء القارة القطبية الجنوبية، مما يمكّن الأفراد والشركات والحكومات من التواصل مع بعضهم البعض.
هذه الكابلات حيوية. ووفقاً للاتحاد الدولي للاتصالات التابع للأمم المتحدة، باعتباره أساس الإنترنت العالمي، تمثل هذه الكابلات 99 بالمائة من حركة الإنترنت العالمية، بما في ذلك عدد لا يحصى من المعاملات المالية.
وفي مصر وحدها، تمتد ستة كابلات من هذا النوع على طول قناة السويس، وتربط بين أفريقيا وأوروبا وآسيا. إحدى هذه المدن، IMEWE (الهند والشرق الأوسط وأوروبا الغربية)، تمتد لمسافة 12091 كيلومترًا، وتربط بين مجموعة من البلدان المختلفة من مومباي إلى مرسيليا.
إن تعزيز الاتصالات العالمية ليس بالأمر الجديد على قناة السويس. في عام 1870، بعد عام واحد فقط من افتتاح الممر، قامت شركة Submarine Telegraph التي تديرها بريطانيا بوضع أول كابل تلغراف تحت الممر المائي. كان هذا الكابل يربط السويس بمومباي، التي كانت آنذاك مركزًا رئيسيًا في شبكة التجارة الاستعمارية البريطانية.
حاليًا، يتم التحكم في الكابلات البحرية في مصر بواسطة الشركة المصرية للاتصالات (TE). وتدير الشركة المصرية للاتصالات حاليًا تشغيل 14 كابلًا للاتصالات تحت البحر، وتشرف على تخطيط وبناء وصيانة المشروعات القائمة والجديدة في مصر.
الطلب على المشاريع الجديدة وفير. وفي عام 2022، وقعت الشركة المصرية للاتصالات صفقة مع شركة Medusa Submarine Cable System الأيرلندية، لمد كابل Medusa الحالي إلى مصر بحلول عام 2026، لربط مصر بالعديد من مدن البحر الأبيض المتوسط.
وتشارك الشركة المصرية للاتصالات أيضًا في تطوير كابل Africa-1، المخطط لربط أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، والذي يمتد لمسافة تزيد عن 10000 كيلومتر.
بالنسبة لمصر، تمثل هذه الكابلات البحرية فرصة مثيرة. وفقًا لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، يعد قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مصر هو القطاع الأسرع نموًا في البلاد لمدة ست سنوات متتالية. كما استفاد القطاع من ارتفاع الاستثمار الأجنبي. واجتذبت مصر 46.1 مليار دولار أمريكي من الاستثمار الأجنبي المباشر خلال السنة المالية 2023/24، مما يوفر رأس مال إضافي لمشاريع البنية التحتية الرقمية والتكنولوجيا.
وفي إطار استراتيجية مصر الرقمية التي أطلقتها الحكومة، عززت مصر نموها الرقمي والاتصالاتي. كجزء من رؤية مصر 2030، تعمل الإستراتيجية على تعزيز تنمية المواهب الوطنية وحوافز الاستثمار، بما في ذلك استخدام المناطق الاقتصادية الخاصة.
وبالتزامن مع النمو السريع لقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مصر، فإن مواصلة تطوير شبكة الكابلات البحرية الحالية في البلاد يمكن أن يؤدي إلى تسريع النمو الاقتصادي بشكل كبير.
مع تدافع البلدان في جميع أنحاء العالم لإنتاج وتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة، تتزايد أهمية شبكة كابلات الاتصالات العالمية بسرعة.
وفي الشرق الأوسط وحده، أصبح تطوير الذكاء الاصطناعي عنصرا متزايد الأهمية في الاستراتيجيات الاقتصادية للحكومات. وفي منطقة الخليج، يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة للحكومات لتنويع اعتمادها التقليدي على النفط.
تأسس صندوق الاستثمارات العامة السعودي في عام 2025، وقد ضخ أكثر من مليار دولار في نظام الذكاء الاصطناعي الخاص به، HUMAIN. وقد جمعت شركة G42، وهي شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي ومقرها دبي، مؤخرًا ملايين الدولارات من المستثمرين، وتستثمر بنشاط في شركات الذكاء الاصطناعي الأخرى حول العالم.
وبالاعتماد على النقل السريع للمعلومات، تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه على الحركة السريعة لكميات هائلة من البيانات، مما يجعل مكانة مصر كجسر بين أوروبا وإفريقيا وآسيا ذات قيمة متزايدة. وبناء على ذلك، تستثمر دول الخليج في مصر.
واتفقت مصر والسعودية، التي تديرها شركة الاتصالات السعودية، موبايلي، في عام 2022 على بناء كابل جديد يربط بين البلدين، مما يعزز دخل الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر.
ومع ذلك فإن فرص النمو تصل إلى ما هو أبعد من منطقة الشرق الأوسط. وقد استثمرت بعض أكبر شركات التكنولوجيا في العالم في البنية التحتية للكابلات البحرية في مصر، مثل شركات جوجل، وميتا، وأمازون.
فالمستثمرون ليسوا أميركيين حصراً. كما قامت شركات دولية أخرى مثل شركة تاتا الهندية للاتصالات وشركة هواوي الصينية وتشاينا موبايل إنترناشيونال بتمويل شبكة الكابلات البحرية في مصر.
لقد قامت مصر عبر تاريخها بربط القارات والثقافات والحضارات. إن التقدم التكنولوجي الحديث في هذا القرن لم يغير هذا، بل غيّر الطرق التي تتفاعل بها مصر مع العالم.
ومع ذلك، فإن مصر تدمج أوروبا والعالم العربي، والعالم العربي وأفريقيا، وأفريقيا وأوروبا. والآن تعمل كابلات الاتصالات تحت سطح البحر على تمكين هذا الاندماج، مما يجمع العوالم المحيطة بمصر معًا.
وكما كان الحال في الماضي، توفر هذه الروابط ثروة من الفرص. ومع صعود الذكاء الاصطناعي إلى مستوى الضرورة في جميع أنحاء العالم، تظل مصر في وضع رائع لتسهيل هذا الصعود، وتنمية الاقتصاد المصري.



