أخبار مصر

الرسالة التي أشعلت الصحوة النسوية في مصر

في أول خمس دقائق من الفيلم النسوي الباب المفتوح (الباب المفتوح(1963)، ليلى، التي لعبت دورها فاتن حمامة، تنتقل عبر ثلاث حالات مختلفة في وقت واحد، كل منها يرمز إلى قصتها بأكملها في مشاهد قليلة فقط.

المشهد الأول يظهر انضمامها إلى احتجاج مدرسي لمحاربة الإمبريالية واضطهاد المرأة. أما الصورة الثانية فتظهر تعرضها للضرب العنيف على يد والدها في منزلها. وأخيرًا، المشهد الثالث يضعها داخل جدران غرفة نومها، غير راغبة في فتح الباب لأي شخص.

ومن مشهد إلى آخر، تصبح ليلى شخصًا مختلفًا، وكأن المرأة في المشهد الأول لم تعد هي نفسها المرأة في الثاني. تم تقديمها لأول مرة على أنها قوية ومقاومة في الشوارع، وفي غضون ثوانٍ، تحولت إلى ضعف كامل داخل منزلها. وبحلول المشهد الثالث، تجدها محبوسة داخل غرفة نومها، وكأن «المرأة الحرة» التي كانت موجودة في بداية الفيلم إما لم تكن موجودة على الإطلاق أو ماتت لحظة عودتها إلى المنزل.

دون الاعتماد على قصة طويلة أو معقدة، تكشف اللحظات الافتتاحية للفيلم مدى التغيير الجذري الذي يمكن أن يحدث لحياة المرأة، ومدى سهولة تغيير هويتها والتحكم فيها وإعادة تشكيلها وفقًا لمتطلبات كل مساحة تسكنها. وتصبح هويتها بحد ذاتها شخصية داخل القصة، محاصرة داخل مؤامرة لا تستطيع السيطرة عليها.

«افتحي الباب يا ليلى»، يقول لها شقيقها محمود، الذي يلعب دوره كمال الشناوي. وعندما تنهض ليلى للإجابة عليه، تكشف رمزية اللحظة وحدها الموضوع الرئيسي للفيلم بأكمله.

إن مجرد فتح الباب يصبح بمثابة تحدي؛ رفض البقاء منعزلاً عن العالم ورفض الاستمرار في الخوف منه. عندما تفتح الباب، تفتح ليلى أيضًا الباب للتعبير عن نفسها.

إنه فتح الباب أمام التعبير، وفتح الباب أمام العالم خارج غرفة نومها، والأهم من ذلك، فتح الباب لذات تتجاوز النسخة التي حاول المجتمع ووالداها حبسها بداخلها.

عندما يدخل محمود الغرفة، تبدأ ليلى أخيرًا في التحدث بحرية، معلنة بقوة: “أنا لم أرتكب جريمة. ببساطة ذهبت للاحتجاج، للتعبير عن مشاعري. عبرت عن نفسي كإنسانة، ناسيًا أنني فتاة ولست إنسانًا”.

الرسالة

وكما تحدد الدقائق الخمس الأولى شخصية ليلى، فإن الدقائق العشر الأخيرة من الفيلم تصبح اللحظة التي تتحرر فيها أخيرًا من الحبكة المفروضة عليها. إنها لحظة دائرة كاملة تعطي في النهاية معنى لما يمثله “الباب المفتوح” حقًا؛ ما هو وماذا يتطلب وكيف يتكشف ببطء.

يبدأ الأمر بالتحديد في اللحظة التي تم فيها الإعلان عن تعرض مصر للهجوم خلال العدوان الثلاثي عام 1956. تدعو المذيعة الناس إلى الدفاع عن الوطن ضد الغزو، وبينما يتردد صدى الإعلان في الشوارع، تسير ليلى بمفردها، وهي تتأمل رسالة كتبها لها حسين، الذي يلعب دوره صالح سليم، الشخصية التقدمية في الفيلم، يحثها فيها على “فتح الباب” للحياة والاحتمال ونفسها.

وبينما تناضل الأمة من أجل تحرير نفسها، تكافح ليلى من أجل تحرير نفسها أيضًا. بينما يكافح الأمة من أجل التنفس، تلتقط ليلى أنفاسها الحقيقية الأولى. وبينما تحاول الأمة كتابة مصيرها، تبدأ ليلى أيضًا في كتابة مصيرها، وتتحول من شخصية محاصرة داخل قصة إلى كاتبة قصتها.

يكتب حسين في رسالته أحد أشهر المونولوجات الكتابية في تاريخ السينما المصرية: “لا تحبس نفسك في دائرة ضيقة، فإنها ستظل تنغلق حولك حتى تخنقك، أو تحولك إلى كائن هامد، مجرد من الفكر والشعور. اربط روحك بالآخرين، بملايين غيرهم، بأرضنا وشعبنا. هناك، سوف تكتشف حبًا أعظم مني ومنك، حبًا واسعًا وجميلًا. الحب الذي يعيش داخل القلب، من خلاله”. الذي يصبح الإنسان أقوى وأكثر كمالاً: حب الوطن، وحب شعبه، فاذهب يا عزيزي، وافتح الباب على مصراعيه، واتركه مفتوحاً.

تفتح الرسالة بابًا لليلى من خلال كلماتها، كما أنها بدورها تفتح الباب للفصل التالي من حياتها. في هذا المشهد، لم تعد تفتح باب غرفة نومها فحسب؛ إنها تفتح بابا داخل عقلها، وتحرره من التقاليد والقيم التي لم تعد تتماشى مع إحساسها بذاتها.

في حين أن العديد من الأعمال النسوية غالبًا ما تركز على تحرير المرأة كشيء ممنوح من قوى خارجية، سواء كانت الدولة أو أشخاص آخرين، فإن الباب المفتوح يؤطر التحرر باعتباره عملًا داخليًا بنفس القدر، عملًا متجذرًا في إرادة المرأة الخاصة.

يبدأ الأمر داخل عقلها ويتوج بتعلمها فهم الحب ليس فقط عاطفيًا، بل فكريًا أيضًا.

إن فتح الباب داخل عقلها يسمح لها بفتح الباب أمام الحرية الفكرية، وإدراك أن الحب ليس مجرد عاطفة، بل هو فعل لفهم جوهر الذات.

لقد أدركت أن هويتها لا تقتصر على جدران غرفة نومها أو منزلها، ولكن نفسها الحقيقية، كامرأة، مرتبطة بشيء أعظم بكثير: العالم الأوسع، ووطنها، والكون نفسه.

أي وجهات نظر تم التعبير عنها في هذه المقالة هي حصريًا آراء المؤلف. لتقديم مقال رأي، يرجى إرسال بريد إلكتروني [email protected].

تسوق في متجر إيجيبشن ستريتس

طاهر العربى

طاهر العربي صحفي ومحرر محترف، حاصل على شهادة في الإعلام من جامعة مرموقة، يمتلك خبرة واسعة في تغطية الأخبار وتحليل القضايا الراهنة، ويعمل على تقديم محتوى دقيق وموثوق يلبي معايير الصحافة الحديثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *